تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي

35

بحوث في علم الأصول

إلى أن يتقوا أيضا من المسلمين والرّأي العام عندهم ، فلا يصدر منهم ما يتحدى معتقدات العامة ويخالف مرتكزاتهم وموروثاتهم الدينية التي تدخلت في نشأتها عوامل غير موضوعية كثيرة في ظل الأوضاع التي حكمت المسلمين في تلك الفترة من التاريخ . فإن المتتبع لحياة الأئمة عليهم السلام يلاحظ أنهم كانوا حريصين كل الحرص على كسب الثقة والاعتراف لهم بالمكانة العلميّة والدينية المرموقة من مختلف الفئات والمذاهب التي نشأت داخل الأمة الإسلامية ، وإن كلفهم ذلك بعض التنازلات والتحفظات ، لكي يستطيعوا بذلك أداء دورهم الصحيح ، وتمثيل ثقلهم التشريعي والمرجعي الَّذي تركه لهم النبي صلى الله عليه وآله في الأمة في الوقت الَّذي يحفظون به أيضا على حياتهم وحياة أصحابهم المخلصين ، وهذا هو السبب فيما يلاحظ في أحاديثهم من الاعتراف في كثير من الأحيان بالمذاهب الأخرى وفتاوى علمائها ، فيعددون أن فتوى أهل العراق كذا ، وفتوى أهل المدينة كذا ، وهكذا ، رغم أنهم لا يرون صحتها ، ولكنهم يقصدون من وراء ذلك عدم تحدّي تلك المذاهب التي راجت وشاعت بين فئات من الأمة يعتدّ بها ، في الوقت الَّذي يسجلون فيه خطأها ومخالفتها مع ما هم أدرى وأعرف من غيرهم به . وكذلك ما يلاحظ في بعض الأحيان من أنهم يحرصون على نسبة ما يفتون به ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله مسنداً عن آبائهم عليهم السلام ، فلو لا أنهم كانوا يراعون المذاهب الأخرى لقطع الحجة عليهم كان يكفي مجرد ذكر الحكم الشرعي وبيانه لشيعتهم في الأخذ به . وهكذا نستطيع أن نفسر ظاهرة التقية في أحاديث أئمتنا عليهم السلام بما يتضح معه السبب لشيوعها بين الروايات الصادرة عنهم ، مع أن أكثرها تتكفل مسائل فقهية بعيدة عن شؤون الخلافة الإسلامية وما يرتبط بالخلفاء آنذاك ، وقد بلغ الأمر بالأئمة عليهم السلام في التقية لا من الحكام فحسب بل من الأمة بصورة آكد أن جعلوا مخالفة العامة مقياساً لترجيح إحدى الروايتين